.: نص السؤال :.
بسم الله الرحمن الرحيم
187 / 12 / 24 / بيع السلف والنسيئة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما هو موقف الإسلام من بيع السلف والنسيئة ؟ وما هي الأحكام المترتبة على هذين البيعين ؟ وإذا اشتريت من بائع بقيمة معينة ورد الباقي من القيمة في وقت لاحق لعدم توفر الباقي من المبلغ ؟ نرجو من سماحتكم الإجابة على أسئلتنا . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
.: الإجابة :.
بسم الله الرحمن الرحيم
187 / 12 / 24 / بيع السلف والنسيئة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله ربَّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبيِّنا محمَّد وعلى آله وأزواجه ، وأصحابه وأتباعه ، ومن سار على نهجه ، واقتفى أثره واتَّبع ملَّته إلى يوم الدين . وبعد :
أخي سلَّمك الله سألت عن السلف والنسيئة ، فنقول بالله مستعينين :
السلم هو : أن يُسلِمَ عِوضاً حاضرا في عُضْوٍ موصوف في الذمة إلى أجل . ويسمى سلما وسلفا ، يقال أسلم وأسلف وهو نوع من البيع ينعقد بما ينعقد بما ينعقد به البيع ، وبلفظ السلم والسلف ، ويعتبر فيه من الشروط ما يعتبر في البيع .
والسلف جائزٌ بالكتاب والسنة والإجماع . أما الكتاب فقول الله تعالى : {{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ[1] }} . روى البيهقيُ وصحَّحه الألبانيُ رحِمَهُما اللهُ تعالى ، وساق السند إلى : ( ابن عباس - رضيَ الُله تعالى عَنْهُما - قال أشهد أنَّ السلف المضمون إلى أجل مسمى . إنَّ الله عزَّ وجل أحلَّه وأذن فيه . وقرأ هذه الآية {{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ[2][3] ) . ولفظ هذه الآية يصلح للسلم ويشمله .
أمَّا السُّنَّة فقد روى البخاريُّ رحِمَهُ اللهُ تعالى ، وساق السند إلى : ( ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا -قَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ- صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ ، وأزواجِهِ وأصحابِهِ ، وأتباعِهِ وسلَّم - الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ فَقَالَ : { أَسْلِفُوا فِي الثِّمَارِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ } . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نُجِيحٍ وَقَالَ : { فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ[4] } ) .
وروى البخاريُّ رحِمَهُ اللهُ تعالى أيضاً ، وساق السند إلى : ( مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ - رحِمَهُ اللهُ تعالى - قَالَ بَعَثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ وَأَبُو بُرْدَةَ- رحِمَهُما اللهُ تعالى -إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى - رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ -فَقَالا سَلْهُ هَلْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ- صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ ، وأزواجِهِ وأصحابِهِ ، وأتباعِهِ وسلَّم - فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ ، وأزواجِهِ وأصحابِهِ ، وأتباعِهِ وسلَّم - يُسْلِفُونَ فِي الْحِنْطَةِ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ- رضيَ الُله تعالى عَنْهُ - كُنَّا نُسْلِفُ نَبِيطَ أَهْلِ الشَّامِ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ ، فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ، قُلْتُ إِلَى مَنْ كَانَ أَصْلُهُ عِنْدَهُ ، قَـالَ مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ بَعَثَانِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى-رضيَ الُله تعالى عَنْهُ -فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ- صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ ، وأزواجِهِ وأصحابِهِ ، وأتباعِهِ وسلَّم - يُسْلِفُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ- صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ ، وأزواجِهِ وأصحابِهِ ، وأتباعِهِ وسلَّم -وَلَمْ نَسْأَلْهُمْ أَلَهُمْ حَرْثٌ أَمْ لا[5] ) .
وأما دليل الإجماع فقال ابن قدامة رحِمَهُ اللهُ تعالى : ( وأما الإجماع فقال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسلم جائز ، ولأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن ، ولأن الناس حاجة إليه لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم ... وقد تعوزهم النفقة فجوز لهم السلم ليرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص[6] ) .
والسلم يكون في ما ينضبط بالصفات ، التي يختلف الثمن باختلافهما ظاهرا ، فيصح في الحبوب والثمار ، والدقيق والثياب ، والإبريسم والقطن ، والكتان والصوف ، والشعر والكاغد ، والحديد والرصاص ، والصفر والنحاس والأدوية والطيب ، والخلول والأدهان ، وكل مكيل أو موزون أو مزروع . فلا يصح السلم فيما لا ينضبط بالصفة كالجوهر من اللؤلؤ والياقوت ، والفيرزج والزبرجد ، والعقيق والبلور ، لأن أثمانها تختلف اختلافا متباينا بالصغر والكبر ، وحسن التدوير وزيادة ضوئها وصفاتها . فعلى هذا يتبيَّن صفة السلف وحكمه .
أمَّا سؤالك عن النسيئة : فهي مأخوذة من النسأ وهو الأجل والتأخير ، بمعنى أن يكون أحد البدلين حاضراً والآخر مؤجَّلاً . واستخدم هذا اللفظ في الربويَّات ، وهو ما يسمَّى ربا النسيئة أي الأجل . وصفته بيع مالين اتَّفقا في علَّة ربا الفضل ، كالمكيل والموزون والمطعوم فلا يبع أحدهما بالآخر إلاَّ هاءً بهاءٍ ، بيداً بيدٍ ، لما روى الإمام أحمد رحِمَهُ اللهُ تعالى ، وساق السند إلى : ( عبادة بن الصامت - رضيَ الُله تعالى عَنْهُ -قال : قال رسول الله- صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ ، وأزواجِهِ وأصحابِهِ ، وأتباعِهِ وسلَّم - ( الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل ، سواء بسواء ، يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد[7] } ) . فإذا اختلفت الأصناف فيجوز بيع بعضها ببعض تفاضلاً لكن بشرط القبض في المكان ، فإن تفرَّقا ولم يتم القبض بطل البيع . فقد روى الإمام أحمد والشيخان واللفظ للبخاريِّ رحِمَهُم اللهُ تعالى ، وساق السند إلى : ( عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ ، وأزواجِهِ وأصحابِهِ ، وأتباعِهِ وسلَّم - قَالَ : { الْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ[8] }) .
أمَّا سؤالك عن شرائك من بائع بقيمة معيَّنة ، ودفعت جزءاً من القيمة ، ثمَّ قام البائع بردِّ بقيَّة القيمة لعدم اكتمالها ، فلا يخلوا إن كان صرفاً ، أو شراؤكٍ لأحد النقدين الذهب والفضَّة فيجب القبض للثمن والمثمن في مجلس العقد ، وكذلك لو كان الثمن والمثمن من الأصناف الربويَّة فلا بدَّ من قبض الثمن والمثمن . أمَّ إن كان البيع والشراء على سلعة بنقدٍ ، كما لو اشتريت مثلاً سيَّارة ، أو عشرة أكياسِ أرزٍّ ، ودفعت جزءاً من القيمة ، وبقي بقيَّة القيمة في ذمَّتك فهذا بيع الدين ولا حرج فيه . أسأل الله أن يصلح لنا ولكم القول والعمل ، هذا والله تعالى أعلم وأحكم ، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّد ، وعلى آله وأزواجه ، وأصحابه وأتباعه ، ومن سار على نهجه ، واقتفى أثره ، واتَّبع ملَّته إلى يومٍ الدين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الثلاثاء / 9 / 4 / 1429 هـ
1 ) سورة البقرة . آية ( 282 ) .
2 ) سورة البقرة . آية ( 282 ) .
3 ) سنن البيهقي الكبرى رحِمَهُ اللهُ تعالى 6 / 18 ( 10864 ) . وإرواء الغليل للألبانيِّ رحِمَهُ اللهُ تعالى 1 / 268 ( 1369 ) .
1 ) صحيح البخاري رحِمَهُ اللهُ تعالى ، السلم إلى اجلٍ معلوم 2 / 784 ( 2135 ) .
2 ) صحيح البخاري رحِمَهُ اللهُ تعالى ، السلم إلى من ليس عنده أصلٌ 2 / 782 ( 2129 ) .
3 ) المغني لاين قدامة رحِمَهُ اللهُ تعالى 4 / 338
1 ) صحيح مسلم رحِمَهُ اللهُ تعالى 3 / 1210
2 ) مسند الإمام أحمد بن حنبل رحِمَهُ اللهُ تعالى ، أوَّل مسند عمر رضيَ الُله تعالى عَنْهُ 1 / 24 ( 162 ) . وصحيح البخاري رحِمَهُ اللهُ تعالى بيع التمر بالتمر 2 / 760 ( 2062 ) . وصحيح مسلمٍ رحِمَهُ اللهُ تعالى ، الصرف وبيه الذهب بالورق نقداً 3 / 1209 ( 79 ) .