الأربعاء 28 رمضان 1431   8 September 2010

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم
الرزيَّةُ والغمَّة في فقد عالم الأمَّة
الخطبة الأولى – 24 – 7 – 2430 هـ
              الحمد لله القائل : {{ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ[1]صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه وعلى آلِهِ النجباء ، وعلى زوجاته أهل العفَّةِ والنقاء ، وعلى صحابته الكرام أهلِ الوفاء ، وعلى أتباعه ومن سار على نهجه ، واقتفى أثره ، واتَّبع ملَّته إلى أن يحشر الخلقُ إلى ربِّ الأرض والسماء. }} . له الخلق والأمر ، والعزة والقهر ، نحمده تعالى لا يجري في ملكه إلا ما يشاء ، ولا يوجَد إلا ما سبق به القضاء ، ونشكره تعالى ذي المنَّة والعطاء ، والعزَّة والكبرياء . ونشهد أنَّ لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له ، معزِّ العلماء ، ومذلِّ الأشقياء ، كل نعمة منه فضل ، وكل نقمة منه عدل ، جعل بركة الأرض في بقاء علمائها ، وإظهار علمهم ونشره في أرجائها . ونشهدُ أنَّ محمَّداً عبده ورسوله ، وخليله وصفيُّه قائد الأمَّة ، ونبراس الخير والهدى ، وإمام وقدوةِ أهل الخير والعلم والوفاء .
              إخوة الإيمان : ها نحنُ في اليوم الرابع والعشرين من شهر رجب ، لعام ثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة النبويَّة المباركة ، أقف أمامكم وقد رسمتُ خُطبتي بعنوان : ( الرزيَّة والغمَّة في فقد عالم الأمَّة ) . أيُّها الأحبَّةُ في الله : ففي يوم الاثنين وفي تمام الساعة الثانية والربع بعد الظهر فاضت روح إمامِنا وشيخِنا الشيخ العلاَّمة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين ، ففقدت الأمَّة عَلَماً من أعلامها ، وطوداً من أطوادِها ، ووقع فيه ثُلمةٌ عظيمةٌ ، فليس لنا إلاَّ أن نقول : إنَّ العين لتدمع ، وإنَّ القلب ليحزن ، وإنَّا على فراق شيخنا وإمامنا لمحزونون ، ولا نقول إلاَّ ما يُرضي ربَّنا ، فإنَّا لله وإنا إليه وراجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . فلله ما أخذ ، وله ما أعطى ، وكلُّ شيءٍ عنده بأجلٍ مسمَّى .
       إخوة الإيمان : نظراً لأهمِّيَّة الموضوع وتشعُّبِه ، فسأقسِّمه إلى عدَّة درر ، لعلِّي ألمُّ ولو بشيءٍ يسيرٍ من حقِّه من أتكلَّمُ عنه رحِمَهُ اللهُ تعالى . فأقولُ مستعيناً بالله تعالى :
                        الدرَّة الأولى : بطاقته الشخصيَّة :
              هو سماحة الإمام البحر الحبر شيخ الإسلام العلاَّمة الفهَّامة : عبد الله بن عبد الرحمن ، بن عبد الله بن إبراهيم ، بن فهد بن جبرين ، بن حمد بن جبرين ، بن محمَّد بن عبد الله بن رشيد ، وهم فخذ من عطية بن زيد من بني قضاعة . وبنو زيد قبيلة مشهورة بنجد . كان أصل وطنهم مدينة شقراء ، ثم نزح بعضهم إلى هذه البلدة بلدة القويعيَّة . ولد رحِمَهُ اللهُ تعالى عام 1349 هـ بين قرىً وادعة ، ونخيلٍ باسقة وصحراء شاسعة ، وجبالٍ شاهقة ، ولد ببلدة محيرقة ، ونشأ في بلدة الرين ، وكلاهما تحتضنهما البلد الأم القويعيَّة . وحفظ اثني عشر جزءاً على والده في الرين ، وعلى شيخيه جدِّي لوالدي سعد بن عبد الله الجبرين ، وجدِّي لوالدتي عبد العزيز بن عبد الله بن رشيد الجبرين في بلدة محيرقة رحِمَهُمُ اللهُ تعالى .
       يقول عن نفسه رحِمَهُ اللهُ تعالى : ( ثم أقول إنني نشأت في قرية الرين التابعة للقويعيَّة ، وفـي كل صيف غالباً أكون في قرية محيرقة من قرى القويعيَّة . فابتدأت بتعلم القرآن والهجاء من والدي - رحِمَهُ اللهُ تعالى - ومن إمام جامع محيرقة العم / سعد بن عبد الله بن جبرين الجبرين - رحِمَهُ اللهُ تعالى - وذلك في سنة تسع وخمسين من القرن الرابع عشر الهجري ، وفتر العزم عن الحفظ ، حيث لم يكن من يتابع معي ، فلم أكمل حفظ القرآن إلا في سنة ثمان وستين ، وقد قرأت قبل ذلك على والدي - رحِمَهُ اللهُ تعالى - في النحو والفرائض والحديث ، وبعض الكتب المطولة ، فبعد إكمال حفظ القرآن ابتدأت في القراءة على فضيلة قاضي الرين ، الشيخ عبد العزيز بن محمد الشثري ، وشهرته أبو حبيب، وواصلت القراءة عليه في المتون والشروح ، في التوحيد والعقيدة والحديث ، والفقه والتفسير، وحصل بذلك خير كثير ) . وسبب عودته لحفظ كتاب الله عزَّ وجلَّ ، وإكمال حفظ القرآن أنَّه لمَّا أراد طلب العلم على شيخه أبي حبيب سأله رحِمَهُما اللهُ تعالى هل تحفظ القرآن ، فأخبره أنَّه لم يكمل الحفظ ، فأمره أن يحفظ القرآن أوَّلاً ، ثمَّ بعد ذلك يحضر لطلب العلم .
                        الدرَّة الثانية : الشيخ ينعى نفسه :
              عندما توفِّيَ أحد علماءِ الأمَّة ، جادت قريحة الشيخ بهذه الكلمات ، ونبست شفتاه عن هذه الموعظة ، كأنَّه يصف حالنا بعده منذ يوم الاثنين الماضي ( بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله ربِّ العالمين ، وصلَّى الله على محمَّد ، وعلى آله وأصحابه أجمعين
هو الموت ما منه مفرٌ ومهربُ       متى حُطَّ هذا عن نعشه فذاك يركبُ
       كتب الله تعالى الموتَ على الصغير والكبير ، والشريف والطريف ، والعالم والجاهل ، ولكن لا شكَّ أنَّ المصيبة في العلماء مصيبةٌ كبيرة ، وذلك لأنَّ بفقدهم يفقد العلم الذي هو ميراث الأنبياء . وقد ثبت أن النبيَّ - صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ ، وأزواجِهِ وأصحابِهِ ، وأتباعِهِ وسلَّم -  قال { إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالا ، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [2] } . وذلك دليلٌ على المنزلة التي أنزلها الله تعالى للعلماء في قلوب العامَّة، ولا شكَّ أنَّ هذا دليلٌ على محبَّةِ الخير ومحبَّةِ أهلِه ، وقد رُويَ عن الإمام أحمد رحِمَهُ اللهُ أنَّه قال : ( بيننا وبينهم يوم الجنائز [3] ) . يعني أنّه إذا كانت جنازة رجلٍ صالح محبوبٍ فإنَّ الناس يشيِّعونه ، ولذلك ذُكِرَ أنَّ الذين شيَّعوا الإمام أحمد رحِمَهُ اللهُ ألف ألف ، أي مليون ونصف المليون أو مليون وستُّمائة ألف ، ولكن هذه سُنَّة الله تعالى ، حيثُ أنَّه كتب الموت على كلِّ نفسٍ بقوله تعالى : {{ [4] }} . وبقول الله تعالى : {{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ @ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ[5]كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ[6] }} . فكلُّ من على هذه البسيطة يموتون ، صغيرهم وكبيرهم ، عالمهم وجاهلهم ، ولكنَّ الناسَ لا يأسفون إلاَّ على أهلِ الخير ، الذين ينفعون وينفعُ اللهُ بهم وبعلومهم ، فإذا ماتوا فقدوا ، وأمَّـا عوامُّ النَّاسِ ففي الغالب أنَّهم لا يفقدهم إلاَّ أقاربهم ، وجيرانهم ومن حولهم ، والبقيَّةُ لا يُحسُّون بهم ، وهذه سُنَّةُ الله أن جعل للعلماء الربَّانيِّين النافعين جعل لهم منزلة في قلوب الناس بحيثُ أنَّهم يحبُّونهم ، ويحبون أن يتصلوا بهم ، وأن يدعوا لهم ، وعند الموت يحبون أيضاً أن يشيِّعوهم ويدعوا لهم ويشاركوا في تشييعهم ، هذا ما جعله الله تعالى في قلوب المؤمنين من المحبَّة والمودَّة من بعضهم لبعضٍ ) . إ هـ . وهذا الكلام لا يحتاج إلى تعليق ، فهو يحكي حالنا مع فراق شيخنا وإمامنا رحِمَهُ اللهُ تعالى رحمة واسعة . }} . و {{
                        الدرَّة الثالثة : تواضع الشيخ الجم :
              الشيخ رحِمَهُ اللهُ تعالى ذكر محبُّوه وطلاَّبه من تواضعه الشيءَ الكثير ، ولست هنا على هذا المنبر المبارك بصدد عرض مواقف للشيخ تدلُّ على تواضعه . فالشيخ معروفٌ لدى الجميع ، ولكن نورد ما قال عن نفسه رحِمَهُ اللهُ تعالى ( إنني معترف بالنقص والقصور، وقلة التحصيل ، وضعف المعلومات ، وكثرة النسيان ، وضياع الكثير من العمر في غير فائدة ، فعندما أقرأ في تراجم بعض العلماء كالشافعي وأحمد وابن راهويه والبخاري وابن معين ونحوهم - رحِمَهُمُ اللهُ تعالى - أعرف الفرق الكبير ، والنقص الجلي في نفسي ، وأن لا نسبة إلى أحدهم ولو من بعيد، وكذا عندما أقرأ في مؤلفات بعض العلماء الربانيين، كابن قدامة وابن تيمية وابن القيم - رحِمَهُمُ اللهُ تعالى - وأمثالهم ممن فتح الله عليهم ، وألهمهم العلم والفهم ، والإدراك والذكاء والفطنة ، أرى ما منحهم الله ووفقهم له مما لا أصِلُ إلى عُشر معشاره ، ولا أحلم بإدراك معلوماتهم ، ولو بعد التأمل والتفكر ، وهكذا عندما نسمع سيرة إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبنيه وتلامذته ومن تبعهم ، ونقرأ في رسائلهم ومسائلهم، نرى ما وهبهم الله وما منحهم من العلم النافع ، والفهم الثاقب ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء[7] ) .
       لا إله إلاَّ الله ، إذا كان هذا قولَ إمامنا عن نفسه فكيف نقول عن أنفسِنا . ومع هذا نقول : إنّ الشيخ ابن جبرين رحِمَهُ اللهُ تعالى كان مفخرة من مفاخر علماء السنة , وعالمًا من أكابر علماء الزمن الحاضر ، إليه تهفو النفوس ، ولرؤيته تشرأبَّ الأعناق ، ولسماع كلماته تصغي الآذان ، بل قصاصة من كلامه ، أو خطبة منه تقلب الدنيا ظهرًا على عقب , وتتلقفها القنوات الإخبارية مباشرة , وتسعى الصحافة لإبرازها ، والحديث عنها . وذلك لأهمِّيَّة رأيه وقوَّة حجَّته . لم يراجع القرآن في المصحف منذ أربعين سنة ، كان يقرأ القرآن كلَّ يومٍ من حِفِظَهُ وعلى صدره ، يدرِّس في الأسبوع الواحد ما يقرب من خمسين كتاباً ويشرحها من حِفِظَهُ رحِمَهُ اللهُ تعالى ، وحينما سأله أحد طلاَّبه هل يحضِّر للدروس والمحاضرات والخطب ، قـال رحِمَهُ اللهُ تعالى : ( وهل لديَّ وقتٌ حتَّى أحضِّر ) . ويقول عن نفسه رحِمَهُ اللهُ تعالى : ( أعترف على نفسي بالقصور والنقص ، وكثرة الخطأ ، وأسأل الله العفو والغفران ، وستر العيوب والنقائص ، حيث إني أكتب أجوبة الأسئلة التي ترفع إليّ بدون مراجعة ، أو بحث في أقوال العلماء غالباً، نظراً إلى كثرة الأعمال ، وعجلة السائل ، والارتباط بالمواعيد والدروس ، وأعتمد فيما أكتب على معلومات قديمة علقت بالذهن وقت الطلب والتلقي عن المشايخ [8] ) . فرحمة الله عليه رحمةً واسعةً .
                        الدرَّة الرابعة : أصناف الناس في موت الشيخ :
              بعد أن فاضت الروح ، وصعدت إلى بارئها ، وترك الدنيا لأهلها بل استراح من همومها فانقسم الناس تجاه موته إلى أربعة أقسام :
            القسم الأوَّل ) : عمومِ أهلِ السنَّة والجماعة أصابه الحزنُ على سماحة الإمام ، فاضت الأعين ، وأزَّت الصدور ، وكثر النحيب ، وعظم المصاب ، ويوم الجنازة شهد الحزن العظيم ، ظهرت علامات الأسى ، فقد تدفق آلاف المشيعين يوم الثلاثاء إلى مغسلة الدريهميَّة ، فقد غُسِّل رحِمَهُ اللهُ تعالى هناك ، وفُرغ من تغسيله الساعة السابعة والنصف تقريباً ، ثمَّ سُمح لجموع المسلمين بتوديعه إلى قبره والسلام عليه رحِمَهُ اللهُ تعالى ، وقرب الساعة العاشرة أكمل تكفينه ثمَّ توجه به إلى جامع الأمير تركي بن عبد الله ، وقد حضر المشيِّعون منذ الصباح الباكر ، وتوافدوا من جميع مناطق المملكة بل من الدول المجاورة , بعد أن حضروا تمركزوا حول المسجد , الذي لم يفتح أبوابه سوى الساعة العاشرة ، ليمتلأ عن أخره في الحادية عشر والربع ، وتغلق بوابات المسجد والساحات الداخلية , بل ذكر الشيخ الدكتور سعد البريك أنَّه حضر قبل الأذان بساعة إلاَّ ربع ، فوجد المسجد والساحات المحيطة به والموصولة لقصر الحكم قد امتلأت عن آخرها . وفي أثناء الصلاة عليه رحِمَهُ اللهُ تعالى ارتفع النحيب من المصلِّين ، وعلا البكاء ، ثمَّ تدافعت الجموع لحمل الجنازة ، ثُمَّ تدافعوا وكلٌّ منهم يريد ويأمل أن يحظى بالمشاركة في دفنه . فرحمه الله تعالى رحمةً واسعةً .
            القسم الثاني ) : اللبراليُّون والعلمانيُّون والصوفيَّة : فهؤلاء في الغالب وليس جميعهم حينما أعلن عن وفاة الشيخ رحِمَهُ اللهُ تعالى ، قاموا بتصفية منتدياتهم ومواقعهم من همزهم لسماحة الإمام رحِمَهُ اللهُ تعالى ، وحذفوا كلَّ ما يتعلَّق به رحِمَهُ اللهُ تعالى . أمَّا من يدَّعون السلفيَّة فقد نشروا في موقعهم موقع سحاب التجنِّي وتعريف النعي وأحكامه ، ولم يوردوا عن إمامِنا أيَّ خبرٍ البتَّة ، أمَّا تجريحُهُم له وكلامُهم عنه فقد بقي في منتدياتهم مواقعهم ولم يغيِّروا في ذلك شيئاً . أسأل اللهَ أن يردَّنا وإيَّاهم إليه ردّاً جميلاً ، أسأل اللهَ أن يؤلِّفَ القلوبَ على الحقِّ والهدى .
            القسم الثالث ) : الإعلاميُّون من محرري الصحف ، ومراسلي بعض القنوات فلم يذكروا عنه إلاَّ القليل ، وهناك قنواتٌ قامت مشكورة بتغطية الصلاة عليه وتشييعه رحِمَهُ اللهُ تعالى ، خبراً عاجلاً لا يفي ولو بواحد في المائة من حقِّه ، بينما نرى صحفهم وقنواتهم تعجُّ بموت المثليِّين كمايكل جاكسون وغيره ، نسأل الله لنا ولهم الهداية .
       بل إنَّ بعض الصحف نقلت خبر وفاته بشيءٍ من الهمز واللمز والتجريح ، اسمع يا رعاك الله إلى ما نقلته صحيفة رويترز التي تصدر من بالرياض : ( توفى يوم الاثنين عن 77 عاما الشيخ عبد الله بنجبرين ، رجل الدين السعودي البارز ، الذي أثنى على زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ، وحض الناس في خطبه على قتال الشيعة والمسيحيين واليهود - ثمَّ يقول بعد ذلك - وبدأت شهرة ابن جبرين عندما أثنى على أسامة بن لادن في عام 2003 ، ووصفه بأنه مقاتل على طريق الله وتمنى له النصر . ويقول دبلوماسيون غربيون :إنَّ خبراءمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة ، والاتحاد الأوروبي لم يتمكنوا أبدا من إثبات أيَّصلة لابن جبرين بأي جماعة متطرفة ) . فالحمد لله نقلوا الخبر ، فهمزوا ولمزوا ، ثمَّ نقلوا الشهادة من أعداء دين الله ، فأسأل الله أن يغفر لميِّتنا ، وأن يسكنه فسيح جنَّاتِه .
            القسم الرابع ) : الرافضة عليهم من الله ما يستحقُّون ، الذين جعلوا يوم الاثنين يوم عيد لهم ، ولا عجب فقد جعلوا موت عمر رضيَ اللهُ تعالى عَنْهُ يوم عيد . واسمع يا رعاك الله إلى نتن قلوبهم ، وسوء معتقدهم ، وحقدهم وضغينتهم يقول أحدُهم : ( بشرى سارة ، هلاك التكفيري الملعون ابن جبرين ) . ويقول آخر : ( هلاك شيخ التكفير الوهابي الإرهابي عبد الله ابن جبرين ) . ويقول آخر : ( هلاك ابن جبرين زعيم النواصب ) .
       هكذا فاضت مواقعهم ، وهكذا طفحت منتدياتهم ، وهكذا تتكلَّموا في قنواتهم ، ولكن نقول لهؤلاء الروافض الذين ما فتئوا في الدسيسة للإسلام وأهله ، وتكفير علماء المسلمين : لا تفرحوا كثيراً يا رافضة يا مجوس الأمَّة , لا تنعموا بأعيادكم لموت علماء المسلمين ، فطلبته وزملاؤه سائرون على نهجه بإذن الله ، منافحين عن العقيدة ، حامين حمى حوزة الدين . وسوف يأخذون بفتاويه وآرائه ومعتقده ،  ولا تظنون أنَّ بوفاة الإمام ابن جبرين انتهى فكر الإمام ومعتقده ، سوف تبقى فتاوى الإمام الحبر العلاَّمة ابن جبرين رحِمَهُ اللهُ تعالى للتاريخ جيلا بعد جيل ، فلله دره من عالم جليل ، أرعبكم حيا وميتا ومريضا ومعافى . ونقول إن كان الإمام الهمام قد فارق الدنيا ، واستراح من همومها ففي الأمَّة آلاف ابن جبرين ممَّن حملوا علمه ، ودرسوا على يديه ، فلا تبعدوا كثيراً . فالحقُّ أبلج وسيظهرُ بإذن الله .
                        الدرَّة الخامسة : سرُّ محبَّةِ الناس له :
              لم يكن ابن جبرين رحِمَهُ اللهُ تعالى بعيداً عن الناس ، مترفِّعاً عن مجالستهم ، بل هو محبوب من كل الطبقات , يعرفالجميع أنه صادق , لا يستغل علمه لتلميع نفسه , ولا لبناء شعبية لقومه , ولاللانتصار لحزب معين ضد آخر , وإنما هو يدعوا الناس ليطيعوا ربهم , وأن يطبقواالشريعة على أنفسهم , فهو معلم ومربي وأب للمجتمع ، إنَّ عالم الأمَّة الذي ينشر علمه لله تعالى . كان يتألَّفُ من حوله ومصاحبيه ، بسط نفسه للخاصَّة والعامَّة ، يتفاعل مع حاجات الناس ، يشفع لمن يحتاج إلى شفاعة ، يسدُّ حاجات الناس .
       استفاد الشيخُ في دماثة خلقه ، ومحبَّته للناس ، وخدمته للمحتاجين من شيخه وأحد أعمامه جدِّي لوالدي سعد بن عبد الله رحِمَهُ اللهُ تعالى الذي كان يلازمه في فترة الصيف قبل رحيله ، فقد شهد له القريب والبعيد بسلامة الصدر ، ودماثة الخلق ، وحبِّه للخير للجميع ، وزهده في الدنيا ، وانشغاله بالدعوة إلى الله ، حتَّى ذكر لي من عايشه أنَّه ما يقابل أحداً إلاَّ ويدعوه إلى الله ولو كان اللقاء لا يتجاوز الدقيقة الواحدة ، فإمَّـا آية يعظه بها ، وإمَّا حديثٌ يذكِّره به ، وإمَّا بيتٌ من الشعر يستنهض به همَّته ، وإن طال اللقاء قرأ له من كتابه الذي لا يفارق إبطه رحِمَهُمُ اللهُ تعالى رحمة واسعة .
       ويقول د / عمر العيد حِفِظَهُ اللهُ تعالى وهو من الطلاَّب الذين لازموا الشيخ طويلاً ( استضاف الشيخُ شيخَه عبد العزيز بن باز- رحِمَهُما اللهُ تعالى - في بيته ، وكان يجلس ويسير بين يديه كالطفل ، فكان إذا سمع نداءه يأتي مهرولاً يلبِّي طلبه ولا يسير سيراً ) .
       يقول الإمام الحبر رحِمَهُ اللهُ تعالى عن العالم العامل : ( وأن عليه أن يتواضع لمن سأل ، ويصغي لمن يستفيد منه ، ويلين جانبه ، ويظهر للطلاب الفرح والاستبشار ، ويلقاهم بصدر رحب ، ووجه منبسط ، ويفرح بتوافدهم وكثرتهم عنده ، ويسره أن يستفاد منه ، وعليه أن يبدأ بطلب القراءة عليه ، ويعرض على التلاميذ أن يجلس لهم في مادة كذا وكذا ، أو يسألهم عن رغبتهم، ويجيب مطلبهم ، وأن يلتمس ما يميلون إليه من البسط أو الاختصار ، ومع ذلك فلا يضع نفسه موضع الذل والاستضعاف والهوان، بل يترفع عن مجالس السفه واللهو واللعب وإضاعة الوقت ، مما يسقط مكانته ، ويضع قدره عند تلاميذه ، وأن لا يشمخ بأنفه ، ويتكبر على بني جنسه ، مما يعيبه به العلماء والتلاميذ ، ولكن بين ذلك ، فيكون ليناً بلا ضعف ، قوياً من غير عنف ، حليماً ذا أناة[9] ) .
              اللهمَّ اغفر لشيخنا ، اللهمَّ أسكنه فسيح جنَّاتِه . اللهمَّ اجعلنا هداةً مهتدين غير ضالِّين ولا مضلِّين ، يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلالِ والإكرام ، أقولُ ما سمعتم فإن كان خيراً وصلاحاً ونجاحاً فمن الله ، وإن كان فيه خطأٌ أو زللٌ فمن نفسي والشيطان ، وأستغفر الله ، فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو التواب الرحيم .


 
بسم الله الرحمن الرحيم
الرزيَّةُ والغمَّة في فقد عالم الأمَّة
الخطبة الثانية 24 7 2430 هـ
              الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آلِهِ وصحابتِهِ ومن والاه .
              أيُّها الأحبَّةُ في الله : مضى معنا في الخطبة الأولى خمسَ درر ونستكملُ وإيَّاكم ما يسَّر الله تعالى تناوله من وقفاتنا مع إمامنا وشيخنا رحِمَهُ اللهُ تعالى :
                        الدرَّة السادسة : رحل الإمام واستراح  :
              إخوة الإيمان : لن أبكي الإمام رحِمَهُ اللهُ تعالى وإن كنَّا فقدنا بموته عالم الأمَّة الذي لا أعلم له نظيرٌ في هذا الزمن ، لأنَّه استراح بموته من هموم الأمَّة التي كان يحملها ، لن أبكي الحبر ، وإن كان فقده رزيَّةً عظمى ومصيبة كبرى ، لأنَّه أرَّث ميراث العلماء فبقي علمُه في كتبه فله أكثر من خمسين مؤلَّفاً قد طبع ، والبقيَّةُ في الطريق للخروج بإذن الله تعالى .
       لن أبكيَ الوالد العلاَّمة فقد استراح من البلايا ، وسلم من الرزايا ، فقد كان يتعرَّضُ للأذيَّة والمضايقة في صحَّته وبعد مرضه بسبب صراحته وسعة علمه ، حيث كان لا تأخذه في الله لومة لائم ، فأنا أرجوا أنَّه قد استراح من الهموم ، وسلم من الغموم ، وحمَّل من بعده الأمانة ، وتضاعفت عليهم المسؤوليَّة .
       لن أبكي شيخ الإسلام في عصره وزمانه لعلمي الأكيد أنَّ الله تعالى لن يضيِّع دينه ، فهناك آلاف الساعات من الأشرطة والسيديَّات والكتب تحمل علمه ، وهناك ملايين المسلمين يدعون له .
       لن أبكي العلاَّمة البحر المربِّي لأنَّ تلاميذه في أصقاع العالم يعدُّون بعشرات الآلاف ، وفي ذلك عزاءٌ عظيم في فقده ، ربَّى طلاَّبه ليقوموا بالمهمَّة ، صاغ قلوبهم وأفئدتهم ليكمِّلوا المسيرة ، غاب جسده وعلمه ومنهجه وطريقته باقيةٌ ، يسير عليها تلاميذه ليقدِّموا ما يستطيعونه لخدمة هذا الدين ، ليطبِّقوا ما فعله عند فقد علمائه ، والدِه وعمِّه سعد بن عبد الله ، وأبي حبيب وابن إبراهيم وابن باز وغيرهم كثير .
                        الدرَّة السابعة : قالوا عن الإمام :
              إخوة العقيدة : كثر الكلام عن إمامنا من محبِّيه وطلاَّبه وسأقتطع عدَّة مقالات لنستفيد منها ونعلم منزلته عند طلاَّبه ومريديه ومن ذلك :
       يقول صاحب السموِّ الملكي الأمير مشعل حِفِظَهُ اللهُ تعالى : ( أنه بوفاة الشيخ عبد الله بن جبرين فقدت الأمة الإسلامية عالماً كبيراً من علمائها ) .
       ويقول معالي الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبد العزيز الحميِّن حِفِظَهُ اللهُ تعالى : ( بأن الفقيد الشيخ عبد الله بن جبرين قد ترك للأمة إرثا عظيما ، من العلم والفتاوى والدروس والمحاضرات التي استفاد منها الكثير والكثير ، ولا ننسى فتواه فيما يتعلق بتوسعة المسعى وشهادته رحمه الله التي حسمت الموضوع ، وكانت محل ارتياح المسلمين جميعاً ) .
       ويقول الشيخ سعد البريك حِفِظَهُ اللهُ تعالى : ( لا بدَّ أنَّ بين الشيخ وبين الله تعالى سريرة في العبادة) . وقال : ( رحل الإمام واستراح فكم من بليَّةٍ تعرَّض لها ،وكم من مشكلة عصفت بحياته في صحَّته ومرضه ) . ويقول : ( أبرز ما يجمع عليه موافقوا الشيخ ومخالفوه أنَّ الإخلاص تجده في قسمات وجهه ، وفي سمته وفي تصرُّفاته ، ولين جانبه ونظرات المودَّة )
       ويقول الشيخ إبراهيم الغيث حِفِظَهُ اللهُ تعالى : ( ما سمع شيئاً فنسيه ) .
       ويقول الشيخ محمد حسان حِفِظَهُ اللهُ تعالى : ( لا يدرك حجم المصيبة إلاَّ من يعرف قدر العلم والعلماء ) .
       أمَّا الرثاء فقد جادت قرائح الشعراء برثائه ، ومن ذلك على سبيل المثال :
وماتَ الشيخ وارتحلَ الإمامُ          أيا جبرينُ يا أسد الأسودِ
بكــتكَ الأمةُ الغرّاءُ حُزناً           وسار الدمعُ في شتى الخدودِ
أيا جبرينُ يا شيخَ الــبلاد           أيا علماً يلوحُ إلى الرشادِ
قضيتَ العمرَ في طلبٍ وجدّ          وها قد حانَ وقتٌ للحصادِ
       ويقول الشيخ حامد العلي حِفِظَهُ اللهُ تعالى :
هي الهواتفُ تأتيـني فتُبْكيني            وسابـلُ الدمْع بالأحـزان يُضنيني
أنَّ الكبيرَ كبيرَ النَّاس ودّعنا            وغيــَّبَ القبرُ جثمـانَ بن جبرينِ
لقد بكيتُ وفيضُ الدّمْع يغمرُني            أستذكرُ الشَّيخ ، والأشجانُ تُدميني
حتى ترجَّع منَّي الصوتُ منتحباً            والنَّاس تعْجبُ من حزني ، وتسليني
تالله ما كان إلاَّ بالهُدى علمـاً           وما الذي عاشَ في عـلمٍ بمدفـونِ
أما العلومُ فغيْضٌ من فضائلـِـهِ             كالوردِ مـنْ بينِ أزهارِ البساتينِ
فتارةً فـي المعانـي ينتقـي دُرراً            وتارةً في متـونِ الحفـظ للدّينِ
قد كان بالفضلِ بين الناس مشتهراً          بما لـه في المعالـي من مياديـنِ
حتى تبـوَّأ فيهـا رأسَ قمِّتـها                تبـوَّأَ الـدرَّ تيجـانَ السلاطينِ
       ويقول خالد أبو صالح حِفِظَهُ اللهُ تعالى في قصيدة له :
شيخٌجليل طالما أجلى العمى عنا بكل براعة وبيان
عَلَمٌ إمامٌ قدوةٌ متبوعةٌ ولسانُصدقٍ طاهرُ الأردانِِ
متألهٌ متخشعٌ متفكرٌ يهوى العلا سمحٌ بلا نكرانِ
أماالتواضع والزهادة والتقى حدِّث بها عنه بلا كتمان
فمعيشة الشيخ الإمام مناهجللزهد والأخلاق والإحسان
جمُ المناقِبِ طَاوَلَت أخلاقهُ قِمم الجبالِ ومنتهىالبنيانِ
فهوَ الكريمُ كذا الرحيمُ بخصمهِ وهو المجيبُ إذا دُعي لِطِعان
لايغضبُ الشيخُ الجليلُ لنفسهِ أبدا ولا يجني على إنسانِ
أما إذا انتُهِكَتمعالِمُ ديننا فلغَضبَةِ الشيخ صدىً رنانِ
يا رب فارحَم شيخنا واغفر لهُ واجعلهفي الفردوس أعلى جنان
واجمعه يا رب بإخوان الصفا كابن العثيمينَوكالألباني
وبشيخهِ ورفيقِهِ في دربهِ أعني ابن بازِ العالم الرباني
يا آلجبرين اصبروا واستبشروا فالشيخ في روح وفي ريحان
إني شرفتُ بمدحهِ ورِثَائهِوالعجزُ فيما سَطَرتهُ ببنانِ
فالشيخُ أعظمُ من جميعِ مديحنا لكنه جَهدُ المقلِّالعَاني
       وقال العشماوي حِفِظَهُ اللهُ تعالى :
هذي بحار الموتِ يَرفد بعضُها         بعضاً فيّا سُفُنَ التَّصَبُّرِ، عُومي
خبرٌ تناقَلَه الرُّواةُ، وربَّمــا        سـاقت لنا الأخبارُ جيشَ هموم
رَحَل ( ابنُ جبرِين ) رويدَك إنَّه        خبرٌ وربِّ الكـــون جِدُّ أَليمِ
رحل ابن جبرينٍ رحيل مبجَّلِ             بشموخ محتسبٍ وعِلمِ عليمِ
ترك الحياة وقد أنار دروبَها             بجمال أخلاقٍ ونَشْر علومِ
       ويقول :
بَطَلُ العقيدةِ أنتَ لم َتْترُكْ على           أبوابها أَثْراً لكفِّ سقيمِ
جاهدتَ دون صفائها ونقائها                   وردَدْتَ عنها وَهْمَ كلِّ خَصيمِ
 وصدَدْت عنها بِدْعَةً مشؤومةً              بُنِيَتْ على التَّلفيق والتَّهْويمِ
إني عرفتُك بالتواضُعِ شامخاً               مترفعاً عن سَفْسطاتِ خُصوم
يا راحلاً عنَّا مكانُكَ لم يزلْ               فينا شِعَارَ العلم والتَّعليمِ
 إنْ غيَّبَ الموتُ الكرامَ فإنَّهم             يبقون في عِز وفي تكريمِ
                        الدرَّة الثامنة : ميزات تميَّز بها الإمام :
              أيَّها الأحبَّة في الله : تميَّز شيخ الإسلام في عصره ، الإمام الحبر بعدَّة ميزات ساعدت على وصوله إلى هذه الدرجات من العلم والرفعة بين أفراد عصره ، وسألخِّصُها ولن أُطيلَ فيها ، ومن هذه الميزات على سبيل المثال لا الحصر :
       الميزة الأولى : الهمَّة العالية ، فهمَّة الشيخ همَّةُ الشباب يطمح إلى المعالي ، يطمحُ إلى القيادة ، فهمَّتُهُ همَّة عالية ، لا ينظر إلى الدون لا ينظرُ إلى سفاسف الأمور ، بل نظره إلى القمم ، لا يعمل لنفسه ، بل همَّته أن يسير بهذه الأمَّة إلى معالي الأمور ، والرفعة والسرور .
       الميزة الثانية : التجديد وموافقة الجديد ، فشيخنا غير متقوقع على نفسه ، علمه وفتاواه لا يقتصر فيها على العلم الشرعي المجرَّد ، بل يواكب الحدث ، ويسخِّر المستجدَّات لخدمة الشرع ، والسير بالأمَّة إلى طريق الحق . مستصحباً كلَّ جديدٍ يساعدُه في بلوغ مناه .
       الميزة الثالثة : التكيُّف مع الجديد والمتغيِّرات ، فإمامنا عالمٌ بالفقه المقارن ، ويطبِّق ما تعلَّمه ودرَّسه على الواقع ، فيسخِّر هذا العلم الشرعي لنفع البلاد والعباد ، ويوجد للمستجدَّات أحكامها ، ويوضِّح للمخالفين أدلَّتها .
       الميزة الرابعة : العمر المديد في تعلُّم العلم وتعليمه ، فالإمام رحِمَهُ اللهُ تعالى قضى سبعين سنة من عُمُرِهِ في تحرير العلوم تعلٌُّماً وحفظاً وتعليماً ، وهذا من أعظم الأمور المساعدة لكثرة طلاَّبه ، وفقهه وحفظه .
       الميزة الخامسة : قدرته على تجاوز المحن ، فالشيخ رحِمَهُ اللهُ تعالى من أقدر الناسِ على تجاوز الأزمات ، وما أن تحلَّ بالأمَّة أزمة إلاَّ ويلجأ إليه العلماء وطلاَّب العلم لأخذ رأيه ، والصدور عن علمه ، وما تسأله عن معضلة إلاَّ وتجد البحر الذي لا يبخل عليك بدرره .
 
 
                        الدرَّة التاسعة : من يحمل الإرث :
              نعم إخوة العقيدة : من يحمل إرث هذا الإمام ؟ مهما تكلمنا عن الشيخ ومآثره ، أو رحلته الدراسية ومؤلفاته الشرعية ، أو درجاته العلمية ومناصبه التدريسية التي تبوءها ، فلن نوفيه حقه أبداَ ، والمقام ليس مقام رثـاء وتعزية ، أو بكاء علي فقد علم من أعلام الأمة ، ولكنه مقام تذكير لكل علماء الأمة وطلبة العلم فيها ، أن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، إنَّ الأثر أهم وأغلى من الجسد فالأثر يبقى والجسد يبلى ، والأعمار لا تحسب إلا بعطائها وبذلها لنفع الأمة ، فكثير من تعلم العلم ولكن قليل من عمل به ومات من أجله وفي سبيله . نعم أحبَّتي في الله الحمل ثقيل ، والميراث كبير ويجب على طلبة العلم أن يحملوا هذا الميراث حتَّى لا يندرس ، يجب أن نستخلص من سيرته تعامله ونصحه لولاة الأمر ، وكذلك تعامله مع الأزمات ، والتصرف حال الفتن التي تحيط بالأمَّة ، وأيضاً التعامل مع طلاَّب العلم ، ونشر العلوم والدعوة إلى الله تعالى ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتعامل مع العامَّة ، وكذلك التعامل مع الخصم ، ففي ذلك خيرٌ كثيرٌ بإذن الله تعالى .
              اللهم إنَّ عبدك عبد الله بن جبرين عبدُك ، وابن عبدِك ، وابن أمتِك مات وهو يشهد لك بالوحدانية ، ولرسولك بتبليغ الرسـالة ، اللهم اغفر له وارحمه ، وعافه واعف عنه ، وأكرم نزله ووسع مدخله ، واغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقِّه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس . اللهم جـازه بالحسنات إحساناً ، وبالسيئات عفواً وغفرانا . اللهم تقبل منه القليل ، وتجاوز له عن التقصير ، اللهم هذا عبدك خرج من روح الدنيا وسعتها ، ومحبيه وأحبائه فيها ، إلى القبر وما لاقاه فيه . اللهم أنِّس وحشته ، ووسِّع مُدخله ، وافسح له في قبره ، وافتح له باباً إلى الفردوس الأعلى . اللهم اجعل قبره روضة من رياض الفردوس ، ولا تجعله حفرةً من حفر النار يا ذا الجلالِ والإكرام . اللهم ارزقه لذَّة النظر إلى وجهك الكريم يا ذا الجلال والإكرام . اللهمَّ اجعل ما أصابه في دنياه من مرضٍ وابتلاءات سعةً في قبره ، ورفعة في درجاته ، وحجابا له من النار يا حيُّ يا قيُّومُ يا ذا الجلالِ والإكرام . اللهم لا تحرمنا أجره ، ولا تفتنا بعده ، وأغفر لنا وله ، اللهمَّ اغفر لي وللسامعين والمؤمِّنين وجميع موتى المسلمين ، يا حيُّ يا قيُّومُ يا ذا الجلالٍ والإكرام .
       اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر اليهود وسائر أعداء الدين ، اللهمَّ انصر عبادك الموحدين ، واحم حوزة الدين ، اللهم انصر الدين ، وانصر من نصر الدين ، يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلالِ والإكرام .
              اللهم دمر جميع من عاداك وعادى أولياءك الصالحين ، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك . اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من أهل السنة والجماعة في كل مكان ، اللهم اجمع كلمتهم على الحقِّ والهدى ، اللهمَّ وحِّد صفوفهم ، وثبت أقدامهم ، وسدد سهامهم ، وانصرهم على عدوك وأعدائهم يا ذا الجلالِ والإكرام .
            اللهم آمنَّا في دورنا ، اللهم آمنَّا في دورنا ، اللهم آمنَّا في دورنا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا . اللهمَّ ارزقهم البطانة الصالحة التي تذكِّرهم إذا نسوا ، وتعينهم على نوائب الحقَِّ يا ربَّ العالمين .
              اللهمَّ أنت الله لا إله إلاَّ أنت ، أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أسقنـا وأغثنا ، اللهم أسقنا وأغثنا ، اللهمَّ أسقنا وأغثنا ، اللهمَّ أسقنا غيثاً مُغيثاُ ، هنيئاً مريئاً ، نافعاً غير ضارٍّ ، عاجلاً غير آجلٍ ، تغيث به البلاد ، وترحم به العباد ، وتجعله صلاحاً وبلاغاً للحاضر والباد ، اللهم أنزل في أرضنا زينتهـا ، وأنزل في أرضنا سكنها ، اللهم اجعل ما أنزلته علينا قوةً لنا على طاعتك ، وبلاغاً إلى حين ، اللهمَّ أغث قلوبَنا بنور الإيمان ، وأغث بلادنا بالمنِّ والغيثِ يا منَّان ، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً ، فأرسل السماء علينا مدراراً ، اللهمَّ إنَّا خلقٌ من خلقِك فلا تمنع عنَّا بذنوبنا رزقك . لا إله إلاَّ أنت سبحانك إنَّا كنَّا من الظالمين .
              اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ ، كما صلَّيْتَ على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيدٌ . وبارك على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ ، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد .
              عباد الله : {{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [10] }} . أذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم . {{ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ[11] }} .
 


[1] ) [الرعد/41]
[2] ) مسند الإمام أحمد رحِمَهُ اللهُ تعالى ، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضيَ اللهُ تعالى عَنْهُما 13 / 260 ( 6222 ) وصحيح البخاري رحِمَهُ اللهُ تعالى كيف يقبض العلم 1 / 50 ( 100 ) . وصحيح مسلم رحِمَهُ اللهُ تعالى رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن 4 / 2058 ( 2673 ) .
[3] ) راجع مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيميَّة رحِمَهُ اللهُ تعالى 4 / 11
[4] ) سورة آل عمران . آية ( 185 ) .
[5] ) سورة الرحمن . آية ( 26 – 27 ) .
[6] ) سورة القصص . آية ( 88 ) .
[7]) مجلة البيان ، العدد 132 شعبان 1419هـ
[8] ) المرجع السابق
[9] ) مجلة البيان ، العدد 132 شعبان 1419هـ
3 ) سورة النحل . آية ( 90 ) .
4 ) سورة العنكبوت . آية ( 45 ) .







لا يوجد تعليقات



اضف تعليق  
الاسم
عنوان التعليق
التعليق


       
موقع الهمم :: الرزيَّةُ والغمَّة في فقد عالم الأمَّة
 
















































ألمانيا ( 1 )
أمريكا ( 5 )




Powerd by    Egy Tronic . com